ليلتي تلك كانت الجزء الذي قُدّ من قميص يوسف, و الذي أُسقطَ بيد امرأة العزيزكرائحة الليل, لم أعرف أي الليالي كانت ؟ لا أعرف اسمها أو الشارع الذي سهرتْ فيه أو الجدار الذي نامت عليه.. كل ما أعرفه أنها كانت ليلةً خفيفة كرشقةِ ماء من يد جمانة حداد و هي تقرأ نص الخمسين قبلة لطفلها في حديقة بيتها الريفي الجميل. إن كنتم للرؤيا تعبرون فلقد مديتُ القارورة التي تمتلئ إلى النصف نحو فمي, فقالت:
- ناولني إياها!
- لا يعجبكِ فطعمه مرّ!
- أنت تراوغ كعادتك, كيف يكون مرّاً في فمك بعد أن قبلتني قبل عام!
- العام كان جميلاً لكنه هذه المرة لم يتعطر جيداً و أهمل شعره فبدا بائساً!
النساء غريبات خاصةً عندما يمسكن بقارورة كهذه, ألم يسبق لهن أن رأينها في نقاط البيع ؟. تأخذ القارورة بقوّة وآتيتها الالتحام الجسور صبيّاً, رغم أن جسارتي في تقبيلها كانت متأخرة جداً والله.. أكثر من جداً هذه التي لم يقلها أحد إلا و أحسست أنه يبالغ مثلي, رفعت القارورة إلى فمها على نحوٍ استوائي و هي تضحك, و بعد أن صار فم القارورة غارقٌ في ثغرها, و انحناءتها تملأ انحناءة شفتيها المتوردتين, قلت: "إنا لله !" و تذكرتُ أني لم آخذ نفساً عميقاً كالمرة الأخيرة و كادت تنهيدتي القديمة منذ أول لقاء أن تخرج متعبةً كنوافذ بيوت الطين ذات النصف سقوط و النصف استقامة, و عندما أنهت القارورة برشفةٍ واحدة و هي منحنية وصدرها يترنح أمامي قبضتُ على غطاء القارورة و شعرتُ بالشراب يجري برأدٍ بين نهديها .. استوتْ على طرف كتفي, و اقتربت من أذني:
- الآن حان دورك.
- ماذا أشرب .. إنك لم تجعلي فيها أدوار ؟!
- بالأصل أنا أعرفك تماماً حين تبدأ بأي أمر لا تتمه ولا تنهيه, كهذه القارورة مثلاً عرفت أنك لن تنهيها, لكني أستمتع بإكمال الجولة عوضاً عنك..!
- و هل تقدرين على إكمال جولة الغناء لي دون أن أكمل عنك.. خاصةً حين تغنين لعبادي بصوتك الأنثوي!
- خلااااااااااص لا تجعلني أقول كم بكيت كلما أغني لك!.
أتذكرون المقطع السينمائي القدير حين هرب يوسف بينما امرأة العزيز تغلّق الأبواب عليه, لستُ بصدد الكلام عن ذلك, فصوتي غير قدير على السرد, لكنها هذه المرأة التي قدّت القارورة من يدي, بعد قسمي الغليظ بأن أصبح عنيداً كفاية لإنهاء القارورة حتى القاع.. لكنها لخطبتني بنظراتها التي لم أرَ مثلها في المدينة؛ فكلما نظرت إليّ ازدادت لدي الرغبة بالهروب, لا أحتمل سلهمة العيون و أصاب بالريبة حين يطيل أحدهم النظر إليّ, لم أعتد أن ينظر لي أحدهم بهذه النظرة الطويلة كمعراجكَ يا رسول الله فمددت لها القارورة للسلامة متنازلاً عن إصراري في إكمالها ! كل نظرة تضعها في عيني أجدها تغلق عليّ الأبواب و تحاول أن تجعلني صدفةً ارتطم بصدرها . لم تقل: هيتَ لك ! إذ لا تمتلك الوقت الكافي لذلك, ولا حتى التفكير به, إنها عملية أكثر من اللازم, و ألزم من الكثير, تطبع قبلتها سريعاً و تضحك, أحياناً لا أدري في أي اصطبة من أحلامي هذه أعيش ! يا رب .. و أقوم و ألعن الشيطان و ابحث عن دفتر يومياتي فأجده غائصٌ تحت أكوام حبات اللب المصري.. شعورٌ عميق بالاتساخ ! ليست هذه حالتي كل ليلة فأحياناً أقوم منتصف الليل و ابحث عن الريموت كنترول و آخذ أتابع برنامجاً وثائقياً مملاً في الجزيرة حتى أصطاد الموضوع الذي سأتحدث عنه غداً في طاولة الجامعة المستديرة, وأحياناً أجدهم يتكلمون بلغةٍ غير مفهومة فأشك أني في حلم, فأحاول أن اذهب إلى النافذة لأرمي بنفسي منها حتى أجرب الشعور بالسقوط من شاهق في الحلم, شعوركَ و أنتَ تحلم بأنكَ كلما ازددتَ في السقوط كلما صعدت روحك, هذه الروح الغارقة في الماورائية تتكوّر كحجر إسفلت أسود و تكاد تخرج من بين أسنانك المصطكّة بقوّة ! لكنك فجأة تقوممن فراشك و تشهق و تتأكد أنك على ما يرام و أن الأمور مجرد أضغاث أحلام ثم تعود لتلقي برأسك على مخدتك وتنام باطمئنان ! و حين قفزت وجدتُ الروح ككل مرّة تكاد تخرج و شعرت بحكاية الأسنان المصطكّة لكني هذه المرة اقتربتُ إلى الأرض أكثر من اللازم وفوق ذلك كلّه: لم أشهق بعد ! هل هو خطأ في مونتاج حلمي لهذه الليلة ؟! أح وجدتني قد ارتطمتُ بالأرض بعد أن سقطتُ من الطابق الثاني على كومة تعود لمعدات والدي القديمة, و لم يعلم عني أحد إلا من الغد, عدا قطّة لئيمة أفزعتني نظراتها و هي تتمدد في آخر ركنٍ قصيّ من الليل, و التي كلما لمحتُ بريق عينيها في الظلام أيقنتُ أنه لم يحن الوقت لأن يغمى عليّ بعد ! ما الذي دفعني للحديث على هذا النحو التراجيدي .. كنتُ أسيطر على الأمور و أحاول أن أرسم لنفسي صورة روبرت دينيرو و هو يترنح في أحد أفلامه (العلقانة !)؛ و كنتُ أمشي بخفّة على عنق القارورة, و برشاقة على استدارة الشفتين, لكن كما دائماً: طبول معركتي في ميدان القوارير مشقوقة من المنتصف فلا مجال لقرعها إذاً إلا إن كنتُ أحلم, و سقوطي هو بحد ذاته احتجاج على السقوط.. مجدداً, اتركوا قواريركم لأحزان الشوارع الخلفيّة و اتركوا أحزان الشوارع لقواريركم حتى تتضاءل كخيوط السيجار المنبعثة من فم جيفارا, و قولوا لنساء المدينة إن هنّ رأين الجزء الذي قدّ من قميص يوسف لقطعن أصابعهن المقطوعة أصلاً.. فما بالهن إن رأين يوسف و هو يخرجُ حزيناً كحزني هذه الليلة!
مدخل: غواية:
شيءٌ من يدِ الله مرتْ عليكْ
فلاذتْ مآذنُ حيّنا صامتةً
آيلةً لانسحابٍ طفيفْ
لأغني القبلَ الصغيرةَ
بين شفتيّ و نهديكْ,
و أزيحَ ما تبقى من وشاحٍ رهيفْ
مداعباً خطوطَ عنقكِ ..
لأتساءلَ ثملاً:
لمَ تنظرُ للسقفِ متعبةً مقلتيكْ ؟!
شيءٌ من يدِ الله مرتْ
و أيقظتِ السيّابَ بداخلي
و صعد نزارَ قصائدي
و الغاوون من بعده
ليعتمروا حرفي قبعةً
أو رداءً ليلقوهُ عليكْ !
كلُ النساءِ في ليلةٍ من جسدْ
قطعنَ قصائدهن, و أصابعهن..
و أشياؤهن النافرة,
قطعنَ الليلَ, و وشحنَ به نحر لحظةٍ
أيقظتها حبالٌ من مسدْ,
إذ مزقنَ ثيابهن و أحلامهن السافرة,
حينَ قرأنَ في غنائك الترتيلا
حينَ علمنَ أن لا غيرنا, إلاّنا
يتحدثُ عشقاً, ثم عشقاً و تقبيلا,
حينَ وجدنكِ في شرفةِ الليل الموشح بالأغنيات
ترقصين على صدري,
و بيدكِ من الشعر: منديلا !
ارقصي فرقصكِ سيدتي
يدسّ الفتنة في قميصي و الجيوبْ,
الرقصُ في الليالِ الكثيراتِ كأغنياتنا
أخرجَ من غمده ألف ألف سيفٍ,
ليستعرض كالبدوِ في رقصات الحروبْ,
الرقصُ سيدتي..
لغة من أعلى مقامات الصمتِ
و أدنى آياتِ الارتياحْ,
و كلما راودتكِ للرقص هبوبْ
خذي الليل كحفنةٍ من أريجِ الرياحْ
و كحلي به كل هذي الشموسْ
و بعضاً من هذا الصباحْ,
فالليلُ سيدتي عملاق كوكبنا
إذ يرمينا بحبٍ, و عشقٍ, و جنونٍ,
و خطيئاتٍ تورقُ كأغصان التفاحْ !
الليلُ سيدتي موسيقى النفوس
الليلُ سيدتي حلالٌ علينا
كاليمين الغموس,
الليلُ فاتنتي لا يحترف الوقوفْ
بل يشبهنا حين نرقصُ ترفاً تحت الماءْ,
و حيثُ يكون.. تبدأ متتاليةً هذي الصفوفْ,
غير أنه يهرولُ في فضاءْ,
أسمراً كالرصيفْ,
و يجيدُ الغناءْ,
ساخناً كأطراف الرغيفْ,
و وحدهُ يلتحفنا, و يغطي آهاتنا بمعطفٍ من حفيفْ !
سؤالٌ ترنحَ في فضاء الإجابة ْ,
سؤالٌ تثاقل شيباً من فرط الصبابة ْ:
هل لليلٍ يدٌ طويلةٌ
أطول من أحاديث المساءِ
أمسكتْ دهراً بقارورةٍ من خدرْ ؟!
أم أنه ثملَ سكراناً
و تعربدَ ممسكاً بانحناءات القمرْ,
فرشقَ به كل السماءْ,
فكانتِ النجوم كقطراتِ المطرْ,
و مذ ذاك..
كلما بحثتُ عني في السماوات العاليات
وجدتني النجمة التي كادتْ أن تكون القطرة الأخيرَهْ,
لولا أنها انسكبت في حلق الليل,
ففاح أريجه, و فاض سُكراً عبيرَهْ !
استرخي قليلاً و بعدها مدي إليّ يداً من ورودْ,
فأنا سيدتي كالشعراء في الزوايا الضيقاتْ,
أحب الغناءْ, و أجيد العزف على خصلاتِ النساءْ,
لكني أيضاً كالثائرينَ في السجون المظلماتْ,
أحب القيودْ,
فهاتي يديكِ لأقسمَ رقصاً أني أحبكِ
و هل ثمة أوثق من الرقص في أيمانِ الوعودْ ؟!
قريباً إليكِ, من صدرٍ أكادُ ألمسهُ يتنفس عشقاً
و كلما ساورني شكٌ بأن ثمة من يرانا,
أمسكتُ بأطراف اللحافْ,
و طوقتنا جميعاً علنا أن نلتحمَ دون أن نهابُ أو نخافْ,
علها النملات المتحذلقات اللواتي يثملنَ تحت أقدامنا أن يقلنْ:
حاق بنا أن نقطع أصابعنا,
كنساء امرأة العزيز في سكرةٍ من جمالْ,
النساء قطعنَ أصابعهن,
و كيف لا نفعل و نحنُ مملكةً من نمالْ ؟!
ثم تصيحُ في النملات المدهَشَات,
نملةٌ شبقة :
أن لا يحطمنكم الراقصونْ !
أن لا يحطمنكم الراقصونْ !
فتتخذ النملات من أصابع أقدامنا
حبال مشنقةٍ كتلكَ في السجونْ,
لتقطع أعناقها, لا أصابعها و حسب!
و تترك لنا السؤال يتهادى في بؤبؤة العيونْ:
متى ما كنا أقداحاً فارغة,
فمن ياترى يملؤنا, من يكونْ ؟
إنه الليل وحده المجبول على الغناء,
ليلنا الذي باتَ قبساً من جنونْ !
إليه حيث كان يقول: لا يليق بالجبال / الجدران أن تتأنق بعد الآن! أقدمُ من قديم, حين كان يحيا في رمضاء الكهوف: نسختي الأوليّة, كان فتى نحيلاً, يرتدي سعفات النخيل ليواري سوءته التي أصبحت فيما بعد الزمانات اللاحقات: سوءتي الكريمة, و كان يهمل ذقنه و يطيل حتى كتفيه الشعر الكثيف, و يدير يده عند الكلام, و يمدها عند الكلام, و يتكلم بها في كل الكلام, كما كنت افعل في السنين القديمة, اسمه لا يمكن رقشه أو نقشه, إنه الصوت المكتوب في حناجر كل الصخور, أحبّ الحياة و أقام فيها يطارد فريسته ليل نهار / صباح مساء, أحب البقاء أكثر من البقاء, و خاف الفناء أكثر من الفناء, و غنّى طويلاً و يالهُ من غناء, يجيد الوقوف .. يجيدُ التساؤلَ لكن: هل من جواب ؟!.. ذات مرةٍ سحيقة ..... ذات مرةٍ رقيقة .......... ذات مرةٍ رشيقة سقطت عن إحدى النساء القديمات سعفةُ نخل اخضوضرت على خصرها, فكان الانتشاء, و كانتِ اللذةُ قد أذابت حدود الشتاء ! ذات مرةٍ بعيدة ..... ذات مرةٍ سعيدة .......... ذات مرةٍ عربيدة رفعت إحدى النساء الكثيرات ساعديها تسأل خدر الظهيرة, فاستقام لبصره النهدان في تمام نفورهما, فقال كلاماً لا يمكن وصفه, كلاماً كانوا بغير النقوش في عاليات الجبال لا يكتبونه, و إن كتبوه فأنتم لا تقرؤونه, و إن قرأتموه فقطعاً لا تفهمونه, لكنهم يقولون أنه كان شعراً, أو غناءً, أو شيئاً جميلاً أثار شجونه! فبتن نساء الكهوف يتوددن للفتى, و إن قلّ مجونه, و إن لم يرفع سعفة واحدة عن النساء ذوات الأسماء الصعيبة, و إن لم يغمز بلطف رجال الكهوف, و يسامرها بطرفٍ خفيّ, و يتساءل : أين سقط قضيبكِ يا أجمل نساء الكهوف ؟ ما يفعلن النساء ؟. صرنَ يقلدنهُ و يغنين شعرهُ و هنّ و الله أجمل الغناء: اتركنني يا نساء المغارات اللذيذة أوقنُ أن هذا الليل لم يعد ليلاً لأباغتكنّ بشعري, و كل الغناء ! لكن بصوتِ رجال الكهوف في الأزمنة السحيقة, قبل السنين و قبل الألوف, أما علمتم ما تركه شعر الفتى في صدور نساء الكهوف: أنا ابن الليل, و أنتن النجمات الماجنات اللواتي يراودنني, أنا يوسف في الجب, أنا البئر الطويلة, أنا هذه القصة الغريبة التي سيذكرها الرب في السنين اللاحقات ! هكذا كان النقش يتمدد في مغارة تتوارى خلف المدينة و الجبال, و أنا الآن حيث كان يكتب ما كتب نسختي الأولية, أقف مشدوهاً و النقش يضع نقطته الأخيرة على انحناءات الصخور: سيأتي يومٌ و تقرأ, و تقول نسختي القديمة كانت هنا, ستحدث الناس عني, عن النقش الذي ستفهمه بطريقةٍ أو بأخرى! أخبرهم أني هطلت من إحدى الغيمات, و أودعني ربي تحت قدم المرأة التي أصبحت فيما بعد ليالي الكهوف: أمي الأنيقة, فنبتُّ أمام مغارتها عشبة خضراء, حتى أرضعتني من ثديها و أصبحت أجيد المشي, أجيد التشكل كيف أريد, أجيد الوقوف حيثما يكون الوقوف, فتفرعتَ أنتَ عنّي عشبةً أخرى, أجادت الشجار المفتعل بين إرادة المشي و رغبة الوقوف, فكان: تحليقكَ خارج سربكَ, و عكس نفثات الرياح المتمدنة, التي كانت في زمني صلفةً تسقط السعفات عنّا و عن نساء الكهوف, أتوق لمعرفة ماذا ترتدون, و هل ستبقى النخيل على حالها, أم ماذا يا ترى قد يكون ؟ هل ستغني, أم تكتب الشعر, أم تهذي هائماً وحدكَ في متاهات الرمال, أم أنك ستمسك بالصخرة التي تقف عليها حيث تقرأني, و تكتب كما كنت قبلك كتبت: نون و ما تسطرين ؟ و أي الأماكن قد تشتهين ?. الزوايا في كهوفنا تمثل لدينا المدن البعيدة, و أنا أعرفك كما أعرفني تعشق حدّ الجنون: كل المدن البعيدة. أقفل النقش و وصلت لباب المغارةِ أفتش عن جديد, فوجدت غيمةً تغازلني و تستطيل, و يتفتق عن رقصاتها كل سعفات النخيل, و قد تنمو عشبةٌ أخرى ؟ لكن هل هكذا يا ربي قد ولدت ؟

يلج إلى رأسي
و يدوخني ويتركني
لليلِ عربيدٌ أوحدْ,
ليتَ قناني العطر أبداً لا تنفدْ,
ليتني أبقى ألف ألف دهرٍ
لأصل للنشوة
التي أبداً لا تتبددْ,
لأضمّ إليّ
و مدتْ لي رغد سليمان
و رونق لقمان
و انتشاءات المشاهير
و كل رونقٍ و سؤددْ,
يا ربي ما خلقتني إلا لأَعبدْ
إلا لأعبدْ
إلا لأعبدْ
فاعلم يا ربي
أني اتخذت من روح فتاتي
أقدرَ منسك و شفتيها أقدسَ: معبدْ,
و جعلتُ من خصلتها
التي تبدو كخيطِ نورٍ
يمشط الأفق الأبعدْ:
أقدمَ محرابٍ في صحرائي
أمارس في رماله
كل الغناء و كل الشعر
و كل حماقاتي التي دوماً تتجددْ,
اجعلني طيراً يا ربي
ثم انفث في حلقي أحلى الكلام
و أودع في فمي أغنية فيروز
و اجعلني أطير إلى من علمتني
في سن العشرين:
"هوّز" العشق و كذا "الأبجدْ"
اجعلني طيراً يا ربي
لأضع في فمها أغنيتي
و أنسى يدي الطائشة
في خصرها المائل كأغنيتي
تماماً على الجزء النافر
من ثوبها الأسودْ,
الذي لونه كالليل
حين أغني أغنيتي,
أغنيتي التي لا تنتهي
بل على صدرها
تستقر و تتمددْ,
لأجلي أرسل لها قبلتي ( الحاااااارة ) يا ربي
ابعثها يا ربي كما تفعلُ كل كينونة عشق:
دون أو تترددْ !
من رأسي الفارغ إلى مدونتي مباشرةً
و من مدونتي بنت مباشرةً إلى فتاة من زمنٍ جميل

بعد يومٍ دراسي مرهق, لم أكن أملك سوى ساعتين تمثلان استراحة المحارب الذي يرفع راية الاستسلام بعد النصر في كل جولة جامعيّة.. فضلتُ أن أقضي استراحتي في البيت, فقصدته و وصلته و أنا أكيدٌ أن تفاصيل هذه الرحلة المملة لا تهمكم.. و بمجرد أن وضعت مفتاحي في انحناءة الرتاج القديم ناداني السائق الأسمر و بادرني بابتسامات الظهيرة و مدّ لي مظاريف بيض موشحةً بشعار شركة الاتصالات عربيدة الأنام, تحوي فواتير مزعجة, عرفتُ حينها أنه آتٍ من صندوق البريد المشرع لأكثر أيامي تعباً من فرط الانتظار, و سألته بتوجس ككل يوم أصل في من الجامعة: ألم يصل كتاب أو ... ؟! فابتسم الأسمر المشاغب و مد لي مظروفاً بنياً أخرجه من الكيس البلاستيكي القاتم الذي وضعه فيه.. عرفت أن هذا ما كنت انتظره من سالف الأيام الأخيرة ! نسيتُ أني للتو أتيت من الجامعة قاصداً البيت للراحة, و بحركة هستيرية ابتسمتُ في وجهِ الأسمر و خطفتُ المظروف البني من يده و فركت ذقنه الحليق بقوّة و عدت أدراجي نحو سيارتي فأدرتُ المحرك قاصداً الجامعة. كل التعب الذي كان يتمدد فوق كتفيّ قد محاه مظروف بنيّ .. ياللحظات هذه ! مشيتُ و حينما تذكرتُ أني سعيد واصلت المشي و لما انتصفتُ في الطريق و ضمنتُ أن لا أحد يشاركني الكعكة و الحلوى الخاصة بي, وضعت عيني على المظروف لأقوم بفتحة بعناية و خفّة و رشاقة, كما فعل العرّاب الأنيق في "قود فذر" حينما فتح النار بخفّة على أرواح رجال المافيا و الدولة المتنمقين.. الطريق لم يعد يهمني, رأسي و تركيزي و أفكاري و عينيّ كلها على المظروف, بل حتى يديّ اللتين كان من المفترض أن تمسكان بالمقود فضلتا أن تتركاه لاحتمالات أي حادث في سبيل مصافحة الكتاب قبل أي طرف آخر, فهما الأداة التي ستخرجه لي من رحم المظروف !
توقفت عند الإشارة الحمراء بينما لازلتُ أحاول فتح المظروف بعناية, و حينما انتهيت, أدرتُ محرك الأقراص لفيروز .. و غمستُ يميني متحسساً الكتاب, ففاحت رائحة عطرٍ أنثوي طاغٍ في فتنته, لو لم يكن ما في الداخل كتاباً لقلتُ و ربي إنه أحد أثواب امرأة العزيز التي راودت يوسف عن نفسه ! يا أنا؛ يضوع من المظروف رائحة الجمال و الفتنة و بواعث الخدر .. فلم أملك سوى إخراج الكتاب الذي سبقته غيمات من الحسناوات, و أسرابٌ من حمائم المراسيل, التي ملأت روحي بهديلها, و كلما أفردتْ جناحيها للتحليق أسقطت في فمي أغنية.. جال في مخيلتي سؤال وقتها: ماذا ينتظرني أكثر من ذلك يا ربي ؟!.. لاحظت أن جميع السيارات التي كانت خلفي تزجرني بينما أنا أشبهُ بصورة مجردة منتصبة أمام الإشارة الخضراء, فدست على البنزين و قدت السيارة بزهو تاركاً اللعنات و الشتائم تهطل عليّ كوابل عذاب ممن هم خلفي.. الآن بعد أن استويتُ على الطريق الدائري أستطيع القول أني أسيطر على الأمور.. الطريق الدائري الكبير المؤدي إلى الجامعة و الذي سرتُ في مسارهِ الأيمن, و هو المسار الذي يختاره و ينتخبه أولئك الذين يضعون هواتفهم على أصداغهم و يغفون عليها حين يتحدثون إلى عشيقاتهم, المسار الذي يبدو طويلاً كقصيدة الأسئلة لمحمد الثبيتي, المسار الذي يبدو خاطفاً كقبلة يتبادلها عاشقين بوجل على هذا الدائري المستقيم المستطيل اللا نهائي الجنون.. تحسست غلاف الكتاب المُهدى لي, فوجدته أكثر من عذوبة كوثر, و أعبق من رائحة عنبر, و ما إن قلبت الغلاف الفاخر حتى قرأتُ الكلمات و هي تضرب في خافقي و تعزف فيه معزوفة الشعر.. لحظة؛ ثمة ريشة تدل على أن حمامة كانت هنا, يدوزن هديلها أرجاء الكون, تركت لي خصلتين مقطوفتين من الليل, مقطوفتين من الليل الذي يضيئه قمر, مقطوفتين من الليل الذي يضيئه قمر و أقوم أنا بغرسه في كل مسامات جسدي المثخن بقبلةٍ واحدة تنبئ عن جسارة متأخرة. أمسكتُ بالخصلتين المعقودتين بريشةٍ لها لون الورد, و وضعتهما على فمي و استنشقتهما بكل قدرة و طاقة كانت تسكنني لحظتذاك.. فدارت حدائق بابل في رأسي, و جالت باحات الأندلس في روحي, و تراءى لي نهديّ أكثر بنات الجزيرة فتنة. جعلت الخصلتين تمخران شفتي بشكلٍ راقص لو علم عنه أبناء و بنات الليل لاعتزلوا العشق من بعدي إذ لم أُبق ِ لهم من لحظات الجنون شيئاً.. تقترب الخصلة إلى لساني و لها مذاق التوت و فتنة العنب ! عندليبٌ أصبحتُ وقتذاك و تسامقتُ فوق الجميع, من مثلي و من لا مثلي في تلك اللحظة ؟.. لا أريد أكثر من رشقةِ ماءٍ باردة لأوقن أني كنتُ أحلم ! هل قلتُ ماء ؟! الآن أفقتُ و الدائري الطويل يمتد أمام ناظري .. و فتشت عن يدي في أنحاء السيارة المملوءة بالعطر و الأغاني فإذا بها تقبض على الخصلتين, و فتحتها بحذر, فكدتُ أجن.. إذ عاد بي التاريخ نحو الزمن القريب.. نحو اللحظة القريبة.. حين وضعت الخصلتين على فمي و استنشقتهما بكل قدرة و طاقة كانت تسكنني لحظتذاك.. فدارت حدائق بابل في رأسي, و جالت باحات الأندلس في روحي, و تراءى لي نهديّ أكثر بنات الجزيرة فتنة. جعلت الخصلتين تمخران شفتي بشكلٍ راقص لو علم عنه أبناء و بنات الليل لاعتزلوا العشق من بعدي إذ... الخ ! و أنتم تعلمون بقيّة هذه الحكاية.. و إن أردتم أن أعيد كتابتها لكم لفعلت, لكن خشية أن لا أفيق هذه المرة .. دعوني أغني اللحظات.. لحظةً لحظة!
حين يتقاطعان في أمورٍ كثيرة !
ككل مدينة بعيدة يرتكبها النسيان, أشتاق إليكَ يا صديقي, و ككل قصيدة تنطفئ جذوة قافيتها حين تحط في بحرها اللائق, أجدني يا صديقي.. و ككل عابر على شوارع الثلاثين الكثيرة و التي تملأ المدن ثم لا تنتهي؛ تمشي معي مواثيق الصداقة التي عقدناها بالقطن الأبيض يا صديقي ! منذ أسبوعين و غياب لم أرك, و باتت مساءات المدينة ثقيلةٌ عليّ, تماماً كلسان موسى الذي لا ينطلق أبداً, و ألفيتُ الصباحات في الجليل فاترة خالية من أي أغنية فيروزية, يا للأسبوعين الطويلين كعقلة إصبع امرأة خرساء, تبرزها دوماً لتتحدث بها ! يا للأربعة عشر يوماً التي تماثل الأرقام المفزعة في نحور غرف الفنادق ! أربعة عشر يوماً أعني بها أربع عشرة قطعة من الفحم, كل يوم يمر عليّ أخربش بها على وجهي حتى بات أسمراً كرغيفِ أمي في صبح الخميس ! أربع عشرة قطعة من الفحم كنت أسمي كل واحدة منها بإسمها المحبب إليّ/إليك قبل أن أمارس خربشتي ..
الأولى : مقهى !
الثانية : نص !
الثالثة : نساء !
الرابعة : جمانة حداد !
الخامسة : سفر و أغنية موضبة للرحيل !
السادسة : سكن الليل !
السابعة : سجادة و تكبيرة لذيذة !
الثامنة : هجينية و ذلول مصابة بهستيريا السفر !
التاسعة : جار الله الحميد !
العاشرة : خفيّ حنين !
الحادية عشرة : فيلم "المرة الأولى" !
الثانية عشرة : شوارع البندقية !
الثالثة عشر : جدّهْ بهزلهْ و جدّهْ !
الرابعة عشر : مطاعم البيك !
خربشات بقطعة فحم على سحنة الصباح, حتى بات ليلاً أليل ولا أجمل ! و في كل خربشة مائة اشتعال, و الفحم لا يشتعل دون أعواد الثقاب, و أنا يا صديقي من بعدكَ أصبحتُ أغلي من رأسي, و أكاد اشتعل ! تماماً كعود ثقاب رخيص يشتعل من رأسه أولاً ! أسبوعان طويلان كغصنٍ وحيد مفتوح على احتمالات النفحات القارسة, يتفرع عن شجرة وحيدة, تتفرع عن ترابٍ كثير, يتفرع عن هذا الكوكب, يتفرع عن خطانا التي تمنحنا موسيقى الرحيـــــــــــــل ! إنني عود ثقاب يا صديقي, بيد أنك لم تدرك ذلك بعد, رغم أنك كنتَ تفاخر: "إنني أعرف رائحة الاحتراق جيداً !" لكنكَ لم تكن تعلم عن حفلة الشواء التي بدأت برأسي و انتهت بالغيمة التي كنت أقف عليها ! لم تتمكن من اقتناص اللحظة لتغرس أنفك في رائحة الاحتراق كما كنت تفعل, ربما هي الانفلونزا التي تلوذ خلف كل ورقة تسقط عن أشجار الشوارع, حتى تتعرى, ثم تنقض على أنفك ! و رغم ذلك وما زادَ منه لا زلتُ مصراً على فكرة أن الأصدقاء يرتدون الأصدقاء, و ينتقون أرواح بعضهم البعض كأحد المعاطف المهملة في آخر الرف, و يتقمصون اللوعة و الحزن و التراجيديا و الغناء ! و الغياب و هو صديقي الذي يتحرّى ارتدائي, ارتداني ذات ليل و خرج بي نحو عالية الحضور مشرعاً إياي لأنفاس المساء القارس ! إنه صديق حادٌ و مميت كعقارب الساعات الرخيصة التي تموت في أول قطرة ماء تمر بها حين تقفل مبتعدةً عن كل جزء من الحضور .. حتى إذا ما استوت ناحية الشمال و أكملت انحناءتها النبيلة لدغتْ عروق معصمك ليسري سمّها حتى رأسك, فتلقاه مشتعلاً و تتذكر أنه: رأس عود الثقاب ! ثم تعود لتبدأ اللعبة من جديد مخلفةً وراءها تكتكة ينقشع لها الخافق, و يتفاداكَ بسببها الحضور.. كما تفادتنا فرص اللقاء في سالف الأسبوعين و غياب و جذوةً من عودِ ثقاب !

"مالكوم إن ذا ميدل"
سلسلة مبهرة ممتدة على مدى سبع سنواتٍ سمان,
أكثرها كوميديا ذكية و أقلها نصوص باهرة.
"مالكوم" هو الفتى الذكي الشقي المتورط دوماً بمشاكل عائلته بدءاً بالأب اللا مبالي "هوووووووووول", انتهاء بالطفل اللئيم "ديوي". مالكوم فتى موهوب و في الوقت ذاته: ملعون. فهو لا يفتأ بطريقة محبوكة جيداً - عدا التنبؤ بنهايتها المخيبة للظن - يحاول أن يخرج أخوانه من غضبات أمه السليطة. بالإمكان إذن حسب لهجتنا النجدية أن نطلق أدق وصف على مالكوم, و هو: العضيد. 


المهبول : HALL !
ما جمع إلا وفق ( وجه يضحك ) !
متى أرمي هذه الحقيبة وأقوم أنا بدورها حاملاً هذه الكتب في رأسي الفارغ ! لا يهم؛ فمن أحسب نفسي حتى أتذاكى بهذا السؤال النرجسي ؟!
قطعتُ شوطاً ليس باليسير وأنا أسيرُ نحو الفيلا ذات النوافذ التي يحبها رأسي الفارغ, إذ يطل منها بين حينٍ و آخر متلصصاً على أشياء جميلة أكثرها أفقٌ أزرق ممتد و أقلها فناء الجارة اللعوب, مشيتُ حتى رأيت على مقربةٍ منّي حمامة وقد حطت رحالها على عمودٍ حديدي ذي بروز .. قلتُ في نفسي وقتذاك: هل ستهربُ هذه الجميلة بمجرد أن اقترب منها .. مع أنّني لستُ بسفاحٍ فتخشى أداتي؛ ولا بمتطفّلٍ أو مشاغبٍ فتتجنبَ ملاقاتي؛ ولستُ أيّ شيءٍ سوى أنني أحب أن أراها ساكنةً كأنما حطت على قصرٍ مشيد لا بئرٍ معطلة.. لاتَابَهْ بمسيري أو شقشقة كتبي - التي لم أقرأها أصلاً - داخل حقيبتي !!
مرّت الثواني تتسارع بينما أنا أعيش هذه التساؤلات فعقدت العزم و مررتُ من جانبها, و أعني بالجانب أني كنت إلى جانبها حقاً ــ كالمسافة التي تفصل بين صدر السيدة الحسناء "روز" و الوسيم "جاك" حين راقصها في فلم التايتنك, مررتُ وأنا انتظر لحظة تحليقها بعيداً كعادة بني حمام, ولكن الأعجوبة أنها كانت لاتزال متمسكةً بذلك العمود .. ساكنة بلا هديل, يضوع من بين جناحيها رائحة عطر شهيّ, لم أنتشيه من قبل ! ربما كان مبعثه: الثقة !.. كانت بالفعل مطمئنة, جعلني هذا الموقف أتخطاها مشدوهاً ميمماً شطر غرفتي بينما وجهي يمشي خلفي إذ يراقبها بنظراتٍ خاطفة حتى يستمتع بلذة هذا المشهد قبل أن تحلّق .. إن كانت المشاهد و اللحظات لا تتكرر فهذا إحداها لأني لم أحظَ به بعد ذلك ..
تساءلتُ بعد أن عصرتُ رأسي الفارغ حول كنه ما جعل هذا الكائن الصغير يقفل ساكناً .. و تقرّ لي نفسي - الأمارة باللكاعة ! - أنه لو قدر لي أن أختار كيف أخلق لاخترت أن أكون حمامة ساكنة يقبض عليها من عطرٍ و ينفخ فيها من روح الملائكة ! ..
ها أنذا يا سيدي الكريم أقول لكَ بصدرٍ منشرحٍ كفضاء: حياتي لكَ قبل تحياتي, حياتي التي لو طلبتها مني لوضبتها لكَ برفقة هذه الرسالة لتعانق يديكَ التي تزيح عن جوانبها القلق و الألم و الحسرة و ما تيسر من هذه التداعيات العالقة. أقول ذلك رغم أني وددتُ لو أمكنني القدوم إليكْ - و طبعاً لن أجرؤ على وضع عيني بعينيكْ؛ أنت تعلم أن ثلاثة أرباع الشعب مع العمالة الوافدة بقضها و قضيضها مصابون بفوبيا أصحاب المناصب العليا .. فاعذرني-. كما أعلم يا سيدي الكريم أني لو أردتُ مخاطبتكَ وجهاً لوجه و الوقوف إليك قدماً بقدم و الجلوس بقربك منكباً بمنكب لفعلت و لأعطيتني من وقتك الثمين, أو قل لو أردتُ مهاتفتكَ لرديت عليّ بسعة بال و طيب خاطر, لكنكَ تعلم أيضاً أنني في قطاعٍ قصيّ أُسائِل الشوارع عن وجهي الذي أضعته فيها, و أنكَ في قطاع المنطقة الوسطى, تحديداً في الرياض التي أبداً لا تنام, مما يعني أنني سأدفع عن كل كلمة أطلقها لأذنكَ التي لا تنصت إليّ كثيراً من فرط الشغل - لا أشغلكم الله بغير طاعته - سأدفع عن ذلك ريالاً أنفضه مما تبقى من راتبي, سأدفعه في فاتورة جوالي التي تصدر آخر الشهر. أبداً يا سيدي المدير الأفخم الأعظم إن التكلفة ليست باهظة, التسعيرة مناسبة و بإمكانك أن تسأل المواطنين عن ذلك, يوووووه اترك عنكَ أولئكَ الذين لا همّ لهم سوى التذمر من فواتيرهم, فهم إما حاقدون ناقمون حانقون ساخطون أو أنهم ممن ينامون على الريالات الجافّة و يتوسدون الهللات الباهتة في جيوبهم التي تنعقف إليها أصابعهم خوفاً من أن يسرقها مشرّد متسكّع في الشوارع - كما سرقوا وجهي يا فخامة المدير -. و الحمد لله يا سيدي الكريم بأن رزقنا الله شركةً بحجم شركتكم التي تديرونها بحنكة و حكمة. ثم لا يغيب عنكَ يا سيدي - و إن غاب عنكّ مشها لي طال عمرك - أنني أدفع غير فاتورة جواليّ الخلويين, فاتورة الانترنت التي تنيف على السبعمائة ريال لكل شهرين؛ أوووووه إن المبلغ ليس بالباهظ فهو مناسبٌ لنا تماماً و بإمكانكَ أن تسألَ المواطنين عن ذلك, يوووووه اترك عنكَ أولئكَ ...... - حتى لا آخذ من وقتك طال عمرك تراني راح أكرر الكلام الذي بالأعلى و الذي رمزتُ إليه باللون الأحمر فلا تشغل بالك فديتك -, ثم يا سعادة المدير من ضربني على يدي و قال لي: استخدم الانترنت ! تعلم يا سيدي أن شعوب العالم الأول و الثاني و الثالث يستخدمون هذه التقنية بمبالغ زهيدة و بخدمات مميزة تفوق ما لديكم, لكن - ولا أستطيع أن أقسم إذ لا أجيد إخراج الحروف الحلقية من جوفي - ما الذي يجعلنا نهمّ بإقحام أنفسنا بهذه الشبكة العنكبوتية ؟!. بالأخص أن علاقتنا باعتبارنا عرب جيدة جداً مع العنكبوت منذ حادثة رسولنا الكريم و صاحبه أبي بكر المشهورة في الغار إذ رَبّي و ربك ثالثهما - إن كنت لم تسمع عنها فالخطأ من معلمك في المرحلة الابتدائية, لا منكَ أنت حاشا و كلا ! - .
تْفْ على الانترنت اللعين.
و لتبقى العناكب سيادة المدير تعشعش في رؤوسنا
و تنسج خيوطها على مفاتِح عقولنا, و لتحيا الاتصالات السعودية !
أتمنى يا سيدي أن تعبّر هذه المفاكسة/المعاكسة عن حبي و احترامي لسعادتكم, رغم أني تمنيتُ لو أمكنني مهاتفتكم لا مفاكستكم, أنتَ تعلم في قرارة نفسك - الغير أمارة بالسوء - أن الفاكس لا يكلفني سوى نصف ريال أدفعهُ من فرط العوز و الفاقة للكبينة التي تصيبني بالرعب في آخر الشارع - حيث أضعتُ وجهي تحديداً -. إني بقدر ما أحبكم بقدر ما تأخذون و تمصّون جيبي الفارغ يا سيدي حتى العظم, يوووووه أيها المدير الفذ: إن راتبي غزير و الحكومة سخيّة سخيّة فهي تعطينا ذات اليمين و أنتم تمدون أيديكم بشراهة ذات الشمال, أبداً هذا حقكْ يالقرم فنحن لسنا أغناماً في قطيع يأكلها ذئبٌ وضيع؛ لاحظ أنني لم أقل أنكَ ذئب فلما الزعل و الغضب إذ لكأني أشعر بكَ الآن تغضي جفنيكَ حقداً كثورٍ هائج ؟.
أسرّ لك يا سيدي بأني كنتُ على رأس طعس في صحراء النفود أقلب النجوم و أسامر القمر على هذه الرمال القرمزية فخطرت لي خطرة و بزت إلى ذهني فكرة ألا و هي أن أتيكم طائعاً صاغراً خجولاً مغيضاً مجاجتي بصعوبة بالغة عبر أسطول طائرات الخطوط السعودية, لكن المشكلة العويصة - الله لا يوريك - هي هذه الخطوط التي بتلاشيها توشك أن تصبح خيوط تجفّ من ريحٍ صرصرٍ عاتية تنطلق من مناخير أنوف موظفيها الذين يرفعونها كبراً وتعالياً مما يبعث رائحة كريهة تكاد ترديكَ مكبوداً. أسعارهم يا سيدي الكريم لا ترضي المواطنين, و المواطنون الشرفاء يتذمرون من خدماتهم و يصفون حالة الحنق بشكلٍ دقيق مضحك: وعْ على الخطوط !! . و كأنما نسيَ هؤلاء المساكين أن الخطوط هي الابنة الشرعية لسعادة شركتكم الاتصالات - أو العكس - و التي تهدف إلى مصّ جيوب الموظفين ولحسها حتى آخر قَرْش. احم احم يا سيدي و الله ما عنيتُ أو قصدتُ ما قلت و إنما كنتُ أرمي إلى لحس عقولهم و سلب ألبابهم بالمضيفات الحسناوات عبلاوات الساقين و كحيلات العينين و شهيّات الشفتين و أيضاً: نافراتُ النهدين, و اللواتي يمشين بغنجٍ مباغت على نحوٍ مثير بين مقاعد الركاب. يا سيدي إني لستُ قديساً جاثماً إلى نافذته يستمع إلى توبات و أوبات المذنبين, فلمَ تشعر أن عليكَ واجب الاعتراف لي بمداعبتكَ لإحداهن ذات مساءٍ في سماء, على الأقل لا تقل لي ذلك المقطع الهستيري؛ حين وضعت يدكَ على طرف المقعد الجانبي حتى تباغتكَ المضيفة بإرتطامة مفتعلة بطرف فخذها الذي ينسل من تحت بنطالها الضيّق ! ههههههههه نسيت أنكَ لا تركب الدرجة السياحية مثلنا معاشر الشعب, فالدرجة الأولى أوسع و أنفه و أشرح صدر ( لاحظ أني لا أعني صدور المضيفات فاحرص على ألا يندلق لعابكَ بشهوةٍ هوجاء كما تفعل دوماً ! ) .
سيدي الكريم, يقول خطيب الجمعة هذا اليوم في كلامٍ مسجوع أن المتحابين في الله يظلهم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله, فأنا أحبكَ في الله هكذا و بلا مقدمات, و أرجوك إن لم تحبني فلا تأتيني في ذلك اليوم الموعود طالباً "الزبنة" . كم هو الحديث و الخطاب إليكَ ذو شجون و جنون, و كَذَا: مجون ! لكني إنما أردتُ بهذه المفاكسة الرديئة أن أخبركَ أني راحلٌ مترجلٌ عن قاطرة شركتكم التي لم تترك لي فلساً إلا و قدته من محفظتي الممزقة, ميمماً وجهي - الذي أتعبني و الله - شطرَ : موبايلي. و سلام.
العجوز تلكَ التي ترطب فمها بالدعاء له في الغدو و الآصال, حين يأتيها بأكياس الخضار و يجلب لها متطلبات المنزل, و دفاتر تحضير لابنتها التي عيّنت في التو و اللحظة بقرية نائية - يتعمد أن يظهر صوته أمامها كنغمة هادئة ليلفت انتباهها ليس طمعاً في شيء سوى حبها -. دائماً ما تبتدره العجوز بدعاء عفوي فور طرقه لبابها بالطريقة التي تعرفها جيداً: "الله يفتحها بوجهك يا ولدي, بِرّك بي و معاملتك لي ما أفرقها عن معاملتك لأمك, الله يوفقك ويرزقك بنت الحلال اللي ببالك" . فمضى بينما لهذه الدعوة الصادقة مذاقٌ يستسيغه و يستمرئه, لولا أنه في ليلة القهر الملعونة تلك وكز أمه بطرف يده عن قصد و غضب, فباتت تلعنه و تدعي عليه الدعاء الذي لامس باباً مشرعاً في سماء تحفها ملائكة و تتطاول عليها شياطين, فجعله مجرد كائن منسيّ يمشي على وجه الأرض ! وقتذاك عرف أنه لا يصلح لأن يكون مشروعاً لابنٍ بار و لو بثمنٍ مدفوع.
صاحبتهُ ذات الصوت النجدي الفاتن, أغدق عليها حدّ الإسراف: ساعات ملونة, حقائب ملؤها قناني العطور الغالية و الرخيصة, بطاقات شحن (!) و مبالغ طائلة .. كل ذلك حتى يسمع منها كلمة, الكلمة التي تمثل له نفحة شهيّة توقظ فحولته لدقائق ثم توقظ شاعريته الدهر كله. قالت له اللعوب غير قاصدة: "أنت أنيق و لبق و راقي و عندك برستيج مهوب عند أحد غيرك !". فظن المسكين أنها تعني ما تقول, فطفق يخصف على جسده من ورق كلماتها كلما رأى وجهه القبيح بالمرآة ليمني نفسه و يراوغها بهذه الأكذوبة, لولا أنه هاتفها ذات ليل فبادرته: محتاجة أشوفك؛ بلييييز ناااااااااااااااو ! فرد عليها بصوته البدوي الفاتر: طيب غير هالنوبة يختي ! ومذاك لم تسمح هي بنفسها بسماع صوته إذ صفعه صوت الموبايل - الذي قدمه قرباناً لها - و هو يقفل منغلقاً, و على الطرف الآخر لم يعد يغريه أن يستمع لصوت أنثى بعد ذلك إذ عرف أنه مشروع فاشل لأن يكون: الحبيب الذي لأجله تعتزل النساء الفضيلة.
إنها ليالٍ من قهر متناوب لا يهدأ, إذ فكر بعد هذا كله أن يكون مشروعاً لسافلٍ منحط, طرأت عليه الفكرة حين طلب من عامل الدكان أن يجلب له بيرة تفاح, و حينما فعل, قال له: أريد فراولة يا ابن الكلب ! . لملم العامل نفسه و أعاد قارورة التفاح إلى مكانها و جلب له التي لها مذاق الفراولة المرّ, لكنه قال: أعدها إلى مكانها و اجلب لي التفاح . وقتها لم يملك الهندي نفسه و قال له اذهب أنت و أحضرها بنفسك. بالفعل يمم السافل المنحط - على حسب ما يريد أن يقال له - شطر الثلاجة و جلب قارورتي تفاح و فراولة ثم هوى بهما على رأس الهندي المسكين, و قبل أن يشرد من حمام الدم ذا, بصق في وجهه و صفعه بيدٍ لا سافلةٍ ولا منحطة. ما إن وصل عتبة بيته و صعد إلى غرفته حتى أخذ بالبكاء, ثم بصق كثيراً على وجهه في المرآة - كإشارة إلى جلد الذات -. في ليلة القهر تلك, عرف أنه لا يصلح أن يكون مشروعاً ناجحاً لشيء؛ حتى لسافل منحط.
و مضى بعدها يرتل ترتيلة الصمت في كل شارع,
خشية أن يهذي فيكون مشروعاً فاشلاً للصمت أيضاً,
الصمت الذي قطع على نفسه وعداً غليظاً أن يجعل منه مشروعه الناجح و كفى.

الطيور لم تعُد تحترف الوقوف
على الأغصانِ الماجدة
بل إنها استأثرت
أسلاك الكهرباء / الغسيل على ماسواها ..!
أيا شجرتي ... لاتبكي ؛
فثمّة طائر خارج السرب
يحلّق في المدى ليحطّ في إنحاناءاتِ أغصانكِ !.
.
.
.
( إيماءة ) : ليسَ كل ما يُعلم ( يُكتب ) !.
لمَ نتهم النوافذ دوماً على أنها هي
التي تتيح للصوص فرصةَ اقتحام الغرف الباهتة !..
فهذهِ ريحٌ هادئة تتخلل ( الشبابيك ) وتداعبُ الستائر
إلى إغلاقٍ معلوم ..!
وتلكَ العصافير تنبثقُ من نوافذ ( مسجد الحيّ ) لتتجول
في روضتهِ إلى ذنبٍ مجهول ..!
.
.
.
( تناغم ) : ليسَ كل ما ( يُقرأ ) ( يُكتب ) !.
قرأتُ ذات مساء أن من أسماء البحر ( الرجّاف ) , فهل تم اتهامهُ لذاتهِ
بالارتجاف ؟.. أم أن الماء هو المُدان في قضيتنا هذهِ ...! حسناً :
- ضع شيئاً من ماء البحر في كوبٍ مصمت , هل ارتجف الماء ؟..
- اسكب عصير التوت في عمق البحر , هل ارتجفَ البحر ؟..
إذن فالارتجاف معادلة صعبة لاتحتمل سقوط أحد القطبين ( البحر / الماء ) !
ألم أقل لكم أن ليسَ كل ما ( يُقرأ ) ( يُكتب ) ..!
.
.
.
كلمة لا ..... أخيرة /
لم أعد قادراً على الوقوف فوق سطحِ الماء !.
.
.
.
كلمة شبه أخيرة /
لم أعد أقدر على الغوص في عمقِ الماء !.
.
.
.
كلمة أخيرة /
لم أعد أقدر على الخروج من قاع الماء
فأنا أغرق.. أغرق..
أغر.. ( أغ.. أغ.. أغ.. أغ.. أغ.. أغ.....! )
كانت فقاعات / كلمات أخيرة








