ليلتي تلك كانت الجزء الذي قُدّ من قميص يوسف, و الذي أُسقطَ بيد امرأة العزيزكرائحة الليل, لم أعرف أي الليالي كانت ؟ لا أعرف اسمها أو الشارع الذي سهرتْ فيه أو الجدار الذي نامت عليه.. كل ما أعرفه أنها كانت ليلةً خفيفة كرشقةِ ماء من يد جمانة حداد و هي تقرأ نص الخمسين قبلة لطفلها في حديقة بيتها الريفي الجميل. إن كنتم للرؤيا تعبرون فلقد مديتُ القارورة التي تمتلئ إلى النصف نحو فمي, فقالت:
- ناولني إياها!
- لا يعجبكِ فطعمه مرّ!
- أنت تراوغ كعادتك, كيف يكون مرّاً في فمك بعد أن قبلتني قبل عام!
- العام كان جميلاً لكنه هذه المرة لم يتعطر جيداً و أهمل شعره فبدا بائساً!
النساء غريبات خاصةً عندما يمسكن بقارورة كهذه, ألم يسبق لهن أن رأينها في نقاط البيع ؟. تأخذ القارورة بقوّة وآتيتها الالتحام الجسور صبيّاً, رغم أن جسارتي في تقبيلها كانت متأخرة جداً والله.. أكثر من جداً هذه التي لم يقلها أحد إلا و أحسست أنه يبالغ مثلي, رفعت القارورة إلى فمها على نحوٍ استوائي و هي تضحك, و بعد أن صار فم القارورة غارقٌ في ثغرها, و انحناءتها تملأ انحناءة شفتيها المتوردتين, قلت: "إنا لله !" و تذكرتُ أني لم آخذ نفساً عميقاً كالمرة الأخيرة و كادت تنهيدتي القديمة منذ أول لقاء أن تخرج متعبةً كنوافذ بيوت الطين ذات النصف سقوط و النصف استقامة, و عندما أنهت القارورة برشفةٍ واحدة و هي منحنية وصدرها يترنح أمامي قبضتُ على غطاء القارورة و شعرتُ بالشراب يجري برأدٍ بين نهديها .. استوتْ على طرف كتفي, و اقتربت من أذني:
- الآن حان دورك.
- ماذا أشرب .. إنك لم تجعلي فيها أدوار ؟!
- بالأصل أنا أعرفك تماماً حين تبدأ بأي أمر لا تتمه ولا تنهيه, كهذه القارورة مثلاً عرفت أنك لن تنهيها, لكني أستمتع بإكمال الجولة عوضاً عنك..!
- و هل تقدرين على إكمال جولة الغناء لي دون أن أكمل عنك.. خاصةً حين تغنين لعبادي بصوتك الأنثوي!
- خلااااااااااص لا تجعلني أقول كم بكيت كلما أغني لك!.
أتذكرون المقطع السينمائي القدير حين هرب يوسف بينما امرأة العزيز تغلّق الأبواب عليه, لستُ بصدد الكلام عن ذلك, فصوتي غير قدير على السرد, لكنها هذه المرأة التي قدّت القارورة من يدي, بعد قسمي الغليظ بأن أصبح عنيداً كفاية لإنهاء القارورة حتى القاع.. لكنها لخطبتني بنظراتها التي لم أرَ مثلها في المدينة؛ فكلما نظرت إليّ ازدادت لدي الرغبة بالهروب, لا أحتمل سلهمة العيون و أصاب بالريبة حين يطيل أحدهم النظر إليّ, لم أعتد أن ينظر لي أحدهم بهذه النظرة الطويلة كمعراجكَ يا رسول الله فمددت لها القارورة للسلامة متنازلاً عن إصراري في إكمالها ! كل نظرة تضعها في عيني أجدها تغلق عليّ الأبواب و تحاول أن تجعلني صدفةً ارتطم بصدرها . لم تقل: هيتَ لك ! إذ لا تمتلك الوقت الكافي لذلك, ولا حتى التفكير به, إنها عملية أكثر من اللازم, و ألزم من الكثير, تطبع قبلتها سريعاً و تضحك, أحياناً لا أدري في أي اصطبة من أحلامي هذه أعيش ! يا رب .. و أقوم و ألعن الشيطان و ابحث عن دفتر يومياتي فأجده غائصٌ تحت أكوام حبات اللب المصري.. شعورٌ عميق بالاتساخ ! ليست هذه حالتي كل ليلة فأحياناً أقوم منتصف الليل و ابحث عن الريموت كنترول و آخذ أتابع برنامجاً وثائقياً مملاً في الجزيرة حتى أصطاد الموضوع الذي سأتحدث عنه غداً في طاولة الجامعة المستديرة, وأحياناً أجدهم يتكلمون بلغةٍ غير مفهومة فأشك أني في حلم, فأحاول أن اذهب إلى النافذة لأرمي بنفسي منها حتى أجرب الشعور بالسقوط من شاهق في الحلم, شعوركَ و أنتَ تحلم بأنكَ كلما ازددتَ في السقوط كلما صعدت روحك, هذه الروح الغارقة في الماورائية تتكوّر كحجر إسفلت أسود و تكاد تخرج من بين أسنانك المصطكّة بقوّة ! لكنك فجأة تقوممن فراشك و تشهق و تتأكد أنك على ما يرام و أن الأمور مجرد أضغاث أحلام ثم تعود لتلقي برأسك على مخدتك وتنام باطمئنان ! و حين قفزت وجدتُ الروح ككل مرّة تكاد تخرج و شعرت بحكاية الأسنان المصطكّة لكني هذه المرة اقتربتُ إلى الأرض أكثر من اللازم وفوق ذلك كلّه: لم أشهق بعد ! هل هو خطأ في مونتاج حلمي لهذه الليلة ؟! أح وجدتني قد ارتطمتُ بالأرض بعد أن سقطتُ من الطابق الثاني على كومة تعود لمعدات والدي القديمة, و لم يعلم عني أحد إلا من الغد, عدا قطّة لئيمة أفزعتني نظراتها و هي تتمدد في آخر ركنٍ قصيّ من الليل, و التي كلما لمحتُ بريق عينيها في الظلام أيقنتُ أنه لم يحن الوقت لأن يغمى عليّ بعد ! ما الذي دفعني للحديث على هذا النحو التراجيدي .. كنتُ أسيطر على الأمور و أحاول أن أرسم لنفسي صورة روبرت دينيرو و هو يترنح في أحد أفلامه (العلقانة !)؛ و كنتُ أمشي بخفّة على عنق القارورة, و برشاقة على استدارة الشفتين, لكن كما دائماً: طبول معركتي في ميدان القوارير مشقوقة من المنتصف فلا مجال لقرعها إذاً إلا إن كنتُ أحلم, و سقوطي هو بحد ذاته احتجاج على السقوط.. مجدداً, اتركوا قواريركم لأحزان الشوارع الخلفيّة و اتركوا أحزان الشوارع لقواريركم حتى تتضاءل كخيوط السيجار المنبعثة من فم جيفارا, و قولوا لنساء المدينة إن هنّ رأين الجزء الذي قدّ من قميص يوسف لقطعن أصابعهن المقطوعة أصلاً.. فما بالهن إن رأين يوسف و هو يخرجُ حزيناً كحزني هذه الليلة!
مدخل: غواية:
شيءٌ من يدِ الله مرتْ عليكْ
فلاذتْ مآذنُ حيّنا صامتةً
آيلةً لانسحابٍ طفيفْ
لأغني القبلَ الصغيرةَ
بين شفتيّ و نهديكْ,
و أزيحَ ما تبقى من وشاحٍ رهيفْ
مداعباً خطوطَ عنقكِ ..
لأتساءلَ ثملاً:
لمَ تنظرُ للسقفِ متعبةً مقلتيكْ ؟!
شيءٌ من يدِ الله مرتْ
و أيقظتِ السيّابَ بداخلي
و صعد نزارَ قصائدي
و الغاوون من بعده
ليعتمروا حرفي قبعةً
أو رداءً ليلقوهُ عليكْ !
كلُ النساءِ في ليلةٍ من جسدْ
قطعنَ قصائدهن, و أصابعهن..
و أشياؤهن النافرة,
قطعنَ الليلَ, و وشحنَ به نحر لحظةٍ
أيقظتها حبالٌ من مسدْ,
إذ مزقنَ ثيابهن و أحلامهن السافرة,
حينَ قرأنَ في غنائك الترتيلا
حينَ علمنَ أن لا غيرنا, إلاّنا
يتحدثُ عشقاً, ثم عشقاً و تقبيلا,
حينَ وجدنكِ في شرفةِ الليل الموشح بالأغنيات
ترقصين على صدري,
و بيدكِ من الشعر: منديلا !
ارقصي فرقصكِ سيدتي
يدسّ الفتنة في قميصي و الجيوبْ,
الرقصُ في الليالِ الكثيراتِ كأغنياتنا
أخرجَ من غمده ألف ألف سيفٍ,
ليستعرض كالبدوِ في رقصات الحروبْ,
الرقصُ سيدتي..
لغة من أعلى مقامات الصمتِ
و أدنى آياتِ الارتياحْ,
و كلما راودتكِ للرقص هبوبْ
خذي الليل كحفنةٍ من أريجِ الرياحْ
و كحلي به كل هذي الشموسْ
و بعضاً من هذا الصباحْ,
فالليلُ سيدتي عملاق كوكبنا
إذ يرمينا بحبٍ, و عشقٍ, و جنونٍ,
و خطيئاتٍ تورقُ كأغصان التفاحْ !
الليلُ سيدتي موسيقى النفوس
الليلُ سيدتي حلالٌ علينا
كاليمين الغموس,
الليلُ فاتنتي لا يحترف الوقوفْ
بل يشبهنا حين نرقصُ ترفاً تحت الماءْ,
و حيثُ يكون.. تبدأ متتاليةً هذي الصفوفْ,
غير أنه يهرولُ في فضاءْ,
أسمراً كالرصيفْ,
و يجيدُ الغناءْ,
ساخناً كأطراف الرغيفْ,
و وحدهُ يلتحفنا, و يغطي آهاتنا بمعطفٍ من حفيفْ !
سؤالٌ ترنحَ في فضاء الإجابة ْ,
سؤالٌ تثاقل شيباً من فرط الصبابة ْ:
هل لليلٍ يدٌ طويلةٌ
أطول من أحاديث المساءِ
أمسكتْ دهراً بقارورةٍ من خدرْ ؟!
أم أنه ثملَ سكراناً
و تعربدَ ممسكاً بانحناءات القمرْ,
فرشقَ به كل السماءْ,
فكانتِ النجوم كقطراتِ المطرْ,
و مذ ذاك..
كلما بحثتُ عني في السماوات العاليات
وجدتني النجمة التي كادتْ أن تكون القطرة الأخيرَهْ,
لولا أنها انسكبت في حلق الليل,
ففاح أريجه, و فاض سُكراً عبيرَهْ !
استرخي قليلاً و بعدها مدي إليّ يداً من ورودْ,
فأنا سيدتي كالشعراء في الزوايا الضيقاتْ,
أحب الغناءْ, و أجيد العزف على خصلاتِ النساءْ,
لكني أيضاً كالثائرينَ في السجون المظلماتْ,
أحب القيودْ,
فهاتي يديكِ لأقسمَ رقصاً أني أحبكِ
و هل ثمة أوثق من الرقص في أيمانِ الوعودْ ؟!
قريباً إليكِ, من صدرٍ أكادُ ألمسهُ يتنفس عشقاً
و كلما ساورني شكٌ بأن ثمة من يرانا,
أمسكتُ بأطراف اللحافْ,
و طوقتنا جميعاً علنا أن نلتحمَ دون أن نهابُ أو نخافْ,
علها النملات المتحذلقات اللواتي يثملنَ تحت أقدامنا أن يقلنْ:
حاق بنا أن نقطع أصابعنا,
كنساء امرأة العزيز في سكرةٍ من جمالْ,
النساء قطعنَ أصابعهن,
و كيف لا نفعل و نحنُ مملكةً من نمالْ ؟!
ثم تصيحُ في النملات المدهَشَات,
نملةٌ شبقة :
أن لا يحطمنكم الراقصونْ !
أن لا يحطمنكم الراقصونْ !
فتتخذ النملات من أصابع أقدامنا
حبال مشنقةٍ كتلكَ في السجونْ,
لتقطع أعناقها, لا أصابعها و حسب!
و تترك لنا السؤال يتهادى في بؤبؤة العيونْ:
متى ما كنا أقداحاً فارغة,
فمن ياترى يملؤنا, من يكونْ ؟
إنه الليل وحده المجبول على الغناء,
ليلنا الذي باتَ قبساً من جنونْ !
تسامقٌ ينتشي في قصبات الأبد ! ليُغرقَ الروحَ مطمئنةً في همساتٍ من أرق ! يا سيدتي.. التحفي يدي و ارفعي صوتَ الحياةِ بداخلي و خذيني إليكِ ؛ إلى مستقرٍ من شبق ! لـ يُلهمَ الروحَ روحاً تتلعثمُ صمتاً في زوارقَ من ورق ! لا تتوقفي لا تتوقفي لا تتوقفي هديلاً باذخاً يخجل من نغماته سربٌ من حمامٍ ينتشر ! همهمي برفقٍ فجذور قلبي من يباسٍ مورقٍ, و تنطعي بجمالِ نهديكِ فإنني طفلٌ يتيمٌ يكاد يُفطم من عدم ! لا تتأخري لا تتأخري لا تتأخري و اسكبي بشفتيكِ رحيق الوجدِ و ألهبي قدحي, فلستُ أثمل من عنب ! إن الثمالة حرفٌ كنتُ كاتبهُ و سمعتهُ منكِ و منكِ حضوري ينتحر ! لا تتبختري لا تتبختري لا تتبختري و قفي بينَ العريّ و الستر و قليلٍ من ورع, و دعي لأناملي يداً تعبثُ ببقيةِ الأحلام علّنا إن تعبنا ننامُ؛ و بلا وطن ! و اهمسي بشفتيّ قصيدتي و حركي صمتاً توشّحَ من قسم ! قسماً بربّ البيتِ إني استنطقُ الآهات علّي أجيبُ على غسقي فلستُ أخفي عن ملامحي إلا خيوطاً من سديمٍ منكسر ! لا يبدأ الحب إلا قنينةً فارغةً من عدم ! تتنفسُ الأحداقُ فيها منظراً من جمال قلبٍ و أريجٍ قد حضر ! لا يصمت القلب إلا حينَ يعلمُ أنّ للوجدِ جنونٌ قد خطر ! يا سيدتي.. تنفسي جسدي.. و عودي و تنفسي.. فحقيقتي أني مخمورُ عشقٍ معتقٍ منذ أن تعالت صرختي فليسَ لي في سكون صوتكِ إلا حديثاً من: غرق ! يا إلهي.. كم كبتُّ عزيمتي, و تضوّر خاطري من عتب.. و طريحٌ أنا بين ذراعيكِ فتسامقي شبقاً يبدد حسرتي فكل ما يبقيني حريقاً يغازل نشوتي بهدوووووووووء, لنصمتَ ها هنــــــــــا .. فحديث الصمتِ أنفاسٌ من: عبق !
إليه حيث كان يقول: لا يليق بالجبال / الجدران أن تتأنق بعد الآن! أقدمُ من قديم, حين كان يحيا في رمضاء الكهوف: نسختي الأوليّة, كان فتى نحيلاً, يرتدي سعفات النخيل ليواري سوءته التي أصبحت فيما بعد الزمانات اللاحقات: سوءتي الكريمة, و كان يهمل ذقنه و يطيل حتى كتفيه الشعر الكثيف, و يدير يده عند الكلام, و يمدها عند الكلام, و يتكلم بها في كل الكلام, كما كنت افعل في السنين القديمة, اسمه لا يمكن رقشه أو نقشه, إنه الصوت المكتوب في حناجر كل الصخور, أحبّ الحياة و أقام فيها يطارد فريسته ليل نهار / صباح مساء, أحب البقاء أكثر من البقاء, و خاف الفناء أكثر من الفناء, و غنّى طويلاً و يالهُ من غناء, يجيد الوقوف .. يجيدُ التساؤلَ لكن: هل من جواب ؟!.. ذات مرةٍ سحيقة ..... ذات مرةٍ رقيقة .......... ذات مرةٍ رشيقة سقطت عن إحدى النساء القديمات سعفةُ نخل اخضوضرت على خصرها, فكان الانتشاء, و كانتِ اللذةُ قد أذابت حدود الشتاء !





